4 سنوات من الفشل المصري بـ"سد النهضة"..أسباب فنية وتعقيدات جيوسياسية

 


4 سنوات من الفشل المصري  بـ"سد النهضة"..أسباب فنية وتعقيدات جيوسياسية

 

يسارع النظام المصري الزمن لاستجداء موعد لتفعيل المسار التفاوضي مع اثيوبيا بشأن سد النهضة، على مستوى وزراء المياه والري في دول مصر والسودان وإثيوبيا،  بعد توقف كل الآليات التشاورية في هذا الشأن...

مؤخرا، الخارجية المصرية بعثت برسالة رسمية غاضبة إلى الحكومة الإثيوبية، طالبت فيها بضرورة تحديد موعد في أسرع وقت لعقد اجتماع تشاوري جديد، وعدم التعلل بالأوضاع في السودان، للتهرب أو التأجيل.

وشهد الجانب المصري العديد من الصدمات الخاصة بأزمة ملف سدّ النهضة الإثيوبي. فمع كل تصريح رسمي مصري بوجود انفراجة، ربما يخفف من وطأة التأثيرات السلبية للسدّ على المصريين، سرعان ما تتكشف الأمور سريعاً، بمماطلة من جانب أديس أبابا تعطل كافة التحركات.

وفيما كان مقرراً عقد اجتماع في القاهرة، على مستوى وزراء مياه وخارجية مصر والسودان وإثيوبيا، لتحريك ملف السدّ، يفاجأ الجانب المصري برفض أديس أبابا في اللحظات الأخيرة، ليتم إلغاء المؤتمر الذي كان مقرراً في مارس الماضي، بحسب مصادر مصرية وسودانية تحدثت لـ"العربي الجديد". ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ فوجئ الجانب المصري في 22 مارس الماضي ، بتصريحات نشرتها وكالة الأنباء الإثيوبية، لمسؤولين في المكتب المكلف بإدارة أعمال بناء السدّ، أكدوا فيها أن الفترات السابقة شهدت عدم الكشف عن كثير من المعلومات والبيانات الخاصة بالسدّ. وقال المسؤولون إن "المكتب ينشط حالياً لخلق الثقة لدى المواطنين، نتيجة إخفاء معلومات حول السدّ لسنوات عديدة، لكنه سيكون مسؤولاً عن كشف كل الخطوات عن السدّ بالنسبة للشعب من الآن فصاعداً"، بحسب الوكالة.

 

 

التلاعب الاثيوبي

 

ويرى المختصون أن تكتم إثيوبيا على وصول ثلاث توربينات ألمانية للسد خلال الأسبوعين الأخيرين من ابريل الماضي، يشير إلى نيتها بدء التخزين من موسم الصيف المقبل، وهو ما يبرر تهربها من عقد اجتماع اللجنة الثلاثية، أو السداسية بين المسؤولين في مصر وإثيوبيا والسودان.

وكانت وزارة المياه والري الإثيوبية، أعلنت عن توصلها لاتفاق مع شركات عالمية لمعالجة المشاكل الفنية التي تسببت في توقف أعمال السد خلال الفترة الماضية، وهو ما تزامن مع إعلان آخر للجانب الإثيوبي بأن التطورات الأخيرة التي جرت في السودان، لن تؤثر على نشاط بلادها في إنجاز مشروع السد.

من جانبه يؤكد الخبير بالشؤون الإفريقية خالد التيجاني لـ"عربي 21" أن إثيوبيا منذ بداية مشروع السد وهي تتلاعب بمصر، ونجحت في حصر النشاط المصري المتعلق بالسد في اللجنة الاستشارية، ثم الاجتماعات الثلاثية والسداسية، وهي في النهاية مجرد لجان، ليس لها سلطة تنفيذية أو آراء ملزمة للجانب الإثيوبي، خاصة وأن مصر منذ البداية لم تقم بأية دلالة عن إمكانية لجوئها للتحكيم الدولي أو التصعيد العسكري.

ويضيف التيجاني: "نظام السيسي تعامل مع موضوع السد بالفهلوة، التى يتعامل بها مع الشعب المصري، ورغم أن السيسي رجل مخابرات، إلا أنه حتى الآن فشل في التعامل المعلوماتي مع الموضوع، كما فشل في التعامل مع تطورات الأحداث التي شهدتها إثيوبيا خلال العام الماضي، ومجريات الأحداث بعد تولي آبي أحمد رئاسة الحكومة بأديس أبابا".

ووفق الخبير في الشؤون الأفريقية، فإن القاهرة ارتكنت على المعلومات التي كان يتم تصديرها من الجانب الإثيوبي لوسائل الإعلام، وهي في الأساس مرتبطة بالصراع السياسي بين أطراف الحكم بإثيوبيا، ولكن القاهرة اعتبرت أن إعلان إثيوبيا وقف أعمال السد، كان بمثابة الموت الإكلنيكي للمشروع، ولكن الأحداث كشفت أن إثيوبيا خدعت القاهرة، واستمرت في خطوات إتمام مشروعها، حتى يتم تشغيله وتوليد الكهرباء منه قبل نهاية 2020.

 

وتعود بداية الأزمة إلى الأول من مايو من عام 2010، حين خرجت إثيوبيا معلنةً عزمها على بناء سد النهضة، لتبدأ التنفيذ في 28 مايو من عام 2013. وجرت سلسلة طويلة من المفاوضات سعت فيها مصر لعدم إقامة السد الذي يحرمها من 74 مليار متر مكعب من المياه. وكانت بداية سلسلة المفاوضات في سبتمبر عام 2011 حين اتفق عصام شرف، أول رئيس وزراء مصري بعد ثورة 25 يناير، مع نظيره الإثيوبي حينها، ميلس زيناوي، على تشكيل لجنة دولية تدرس آثار بناء السد الإثيوبي. وقد تشكلت اللجنة وقتها من 10 خبراء مصريين وإثيوبيين وسودانيين و4 خبراء دوليين محايدين.

 

وقدّمت اللجنة بعدما انتهت من عملها وبعدما رأت بدء بناء السد، توصيات عدة مهمة، تمثّلت بإجراء دراسات هندسية تتعلّق بارتفاع السد وسعة تخزينه ومدى أمانه، بالإضافة إلى دراسات مائية تتعلق بمواءمة السد مع المياه التي يقف أمامها ونسب التسرب منه، فضلاً عن دراسات بيئية تتعلق بإجراء دراسات اقتصادية واجتماعية وتأثير ذلك على الدول المحيطة بالسد.

 

ولمّا تولّى السيسي الحكم، طلب خلال اجتماعه مع رئيس وزراء إثيوبيا حينها، هايلي ماريام ديسالين، على هامش قمة الاتحاد الأفريقي في 25 يونيو 2014، التي عقدت في عاصمة غينيا الاستوائية مالابو، استئناف المفاوضات مرة أخرى. واتفق وزيرا الري المصري والإثيوبي على تنفيذ توجيهات السيسي وديسالين والبدء في مفاوضات بحضور السودان، وتشكيل "لجنة وطنية" لتنفيذ توصيات اللجنة الدولية المشكلة في 2012 من خلال مكتب استشاري عالمي. وخلال قمة ثلاثية عام 2015، بين مصر وإثيوبيا والسودان، في الخرطوم، وقّع السيسي ونظيره السوداني عمر البشير ورئيس وزراء إثيوبيا هايلي ديسالين، وثيقة "إعلان مبادئ سد النهضة".

 

وفي ديسمبر 2015، وقّع وزراء خارجية الدول الثلاث على وثيقة الخرطوم، وتضمّنت الاتفاق والتأكيد على إعلان المبادئ الموقّع من قبل السيسي والبشير وديسالين.

 

وعادت مفاوضات سدّ النهضة في 17 أكتوبر 2017، حين زار وزير الري المصري موقع سد النهضة الإثيوبي، للمرّة الأولى، وذلك لمتابعة الأعمال الإنشائية والتحقّق من التفاصيل الفنية في إطار أعمال اللجنة الثلاثية.

 

وفي نوفمبر 2017، استضافت القاهرة على مدى يومين جولة جديدة من المفاوضات بين وزراء الموارد المائية الثلاثة، ولكن السودان وإثيوبيا أعلنتا رفْض التقرير الاستهلالي الخاص بدراسات "سد النهضة"، وأكدت مصر عدم التوصّل لاتفاق.

 

وفي 13 مارس 2018، أعلن السفير السوداني لدى القاهرة، عبد المحمود عبد الحليم، عن توجيه الخرطوم دعوة رسمية للجانب المصري لعقد اجتماع ثلاثي لوزراء الخارجية والري ومديري أجهزة الاستخبارات في السودان وإثيوبيا ومصر، بشأن سد النهضة، في يومي 4 و5 إبريل بالخرطوم والتي انتهت بالفشل.

 

وكان موعد آخر قد أخفقت فيه جولة جديدة من المفاوضات في منتصف إبريل الماضي، بعد 17 ساعة من مفاوضات كانت تستضيفها الخرطوم، لإجراء محادثات بشأن مخاوف مصر من سد النهضة، ومحاولة الوصول إلى اتفاق مشترك. وكانت المفاوضات تتركّز حول اعتماد التقرير الاستهلالي الخاص بالدراسات التي يجريها المكتبان الاستشاريان الفرنسيان، والذي سبق ورفضت السودان وإثيوبيا الموافقة عليه، بينما وافقت مصر على التقرير في جولة المفاوضات السابقة في نوفمبر 2017.

 

تحذيرات مخابراتية

 

 

فيما تسود وزارة الري المصرية حالة من القلق والارتباك، تظهر على المسؤولين عن ملف السد، بعدما رفعت أجهزة سيادية تقارير خاصة بالسد تشير إلى تطورات جديدة بشأن عمليات البناء والتشغيل، قائلة إن آخر التقارير الصادرة في هذا الصدد توضح وجود تطورات إنشائية كبيرة على مستوى عمليات تشغيل التوربينات، وهي واحدة من أكثر المراحل أهمية.

ورصدت التقارير بدء إدخال تعديلات مساحية على مجرى النهر أمام السد، وهو ما يشير إلى تحركات لدى الجانب الإثيوبي لبدء عملية التخزين خلال موسم الفيضان المقبل، وذلك بشكل مُخالف للاتفاقات والتعهدات، بأن يتم التشاور الموسع قبل البدء في مثل تلك الخطوات التي تؤثر بالتبعية على دولتي المصب، مصر والسودان.

 

 

وكان المدير التنفيذي لمشروع السد في إثيوبيا كفلى هورو أكد، في تصريحات رسمية منتصف إبريل الماضي، أنه تم اتخاذ التدابير اللازمة لضمان عدم تكرار الأخطاء السابقة المتعلقة بالأعمال الكهروميكانيكية للسد، وبناءً على هذا، تم التعاقد مع شركات عالمية يمكنها استخدام المواد عالية الجودة للحصول على أفضل إنجاز للسد.

يأتي هذا في الوقت الذي أكد فيه وزير الدولة في وزارة المياه والري الإثيوبية "فريهوت ولد هانا" أن "المشروع التنموي للبلاد ليس معلقاً على دولة أخرى"، في إشارة للأحداث التي يشهدها السودان. وأعلنت وزارة المياه والري الإثيوبية، أن التطورات الأخيرة في السودان لن تؤثر بشكل أساسي على مصير المفاوضات بين إثيوبيا ومصر والسودان بشأن سد النهضة.

ويعد سد النهضة أكبر سد في إفريقيا، إذ يبلغ عرضه 1800 متر، وعمقه 170 متراً، بتكلفة بناء تبلغ نحو 4.7 مليار دولار أميركي. ووفق الموقع الرسمي للحكومة الإثيوبية، فإن أكثر من 8500 شخص يعملون على مدار الساعة في المشروع، الذي تبلغ سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب، وهو ما يعادل تقريباً حصتي مصر والسودان السنويَّة من مياه النيل.

 

ويمكن للسد، الذي يُبنى في منطقة بينيشانغو (أرض شاسعة جافة على الحدود السودانية، تبعد 900 كيلو متر شمال غربي العاصمة أديس أبابا)  في الهضبة الإثيوبية بالنيل الأزرق، توليد نحو 6 آلاف ميغاوات من الطاقة الكهربائية، وهو ما يعادل 3 أمثال الطاقة الكهربائية المولَّدة من المحطة الكهرومائيَّة لسد أسوان المصري، حيث يمتد المشروع على مساحة تبلغ 1800 كيلو متر مربع.

 

 

 

تحديات سودانية أمام مصر

 

ويتزايد القلق المصري، إزاء التغيرات الدراماتيكية التي تشهدها السودان في الفترة الأخيرة ، عقب ازاحة الرئيس عمر البشير من سدة الحكم ، حيث سعت مصر على مدار أكثر من أربعة أعوام ماضية إلى جذب الجانب السوداني إلى صفها في أزمة سد النهضة الإثيوبي، وفصْله عن تكتله مع الجانب الإثيوبي في الأزمة، قبل أن يتم عزل البشير.

وتوصلت القاهرة قبل نحو 8 أشهر من سقوط البشير إلى تفاهمات جيدة بشأن السد، وكذلك إجراء ترتيبات أمنية مشتركة بطول الحدود الجنوبية، مع التوصل لاتفاق مُرضٍ بشأن منطقة حلايب التي يرغب السودان في ضمها إليه.

بينما أديس أبابا تسعى جاهدة لاستغلال حالة الفراغ السياسي في السودان، وتحقيق أكبر قدر من الإنجاز في إنشاءات السد، ومواصلة سياسة الأمر الواقع كما فعلت في أعقاب ثورة 25 يناير في مصر، وتغيير كافة الخطط الخاصة بالسد، ومضاعفة حجمه وزيادة قدرته الاستيعابية لتصل إلى 74 مليار متر مكعب، وهو ما ترغب القاهرة في قطع الطريق أمامه.

 

وكانت الحكومة الإثيوبية قد وقّعت مجموعة من اتفاقيات الشراكة مع الخرطوم خلال فترة التباعد بين مصر والسودان، كان من بينها اتفاقات متعلقة بإمداد السودان بالكهرباء اللازمة من السد، وكذلك اتفاقية للدفاع المشترك وتأمين السد. وتسعى القاهرة من خلال علاقاتها الوطيدة بالمجلس العسكري في السودان إلى تحجيم تلك الاتفاقيات، عبر توفير بدائل، منها مشروع الربط الكهربائي بين القاهرة والخرطوم والذي قطعت الاستعدادات الفنية له

شوطاً كبيراً.

 

 

8 سنوات من التفاوض

 

لكن المتتبع لمسار التفاوض بين البلدان الثلاثة، يجد أن ثمة تعثراً لا يزال "يعطّل" المسار التفاوضي، رغم مرور نحو أربع سنوات من سلوكه من الأطراف الثلاثة، يحول دون التوافق النهائي بشأن السد، الذى دشّنته إثيوبيا في الثاني من أبريل  2011،  فضلاً عن تطورات سياسيَّة داخليَّة في إثيوبيا والسودان، قادت البلد الأخير إلى تنحية الرئيس عمر البشير عن السلطة.

وخلال السنوات الأربع الأخيرة، شهدت المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا والخُرطوم، عدة جولات على مستويات مختلفة، تراوحت بين لقاءات قمة على مستوى قادة الدول، واجتماعات ثلاثية (تضم وزراء ري الدول الثلاث)، وسداسية (تضم وزراء الري والخارجية)، وتساعية (تضم بجانب وزراء الري والخارجية قادة أجهزة الاستخبارات في الدول الثلاث)، إلا أن جميعها ورغم تعددها، لم تصل إلى حل نهائي، ووصلت في بعض محطاتها إلى تبادل الاتهامات العلنية بتحميل "مسؤولية فشلها"، لا سيما الاجتماعان السداسي والتساعي في أبريل  2018، وأواخر العام ذاته على الترتيب..

ويعود سبب عدم الوصول إلى حل نهائي، بشكل رئيسي إلى "الخلافات الفنية بشأن بناء السد" بين الدول الثلاث، لا سيما الخلاف الأكبر بين القاهرة وأديس أبابا، إذ ترغب الأولى في زيادة عدد سنوات ملء السد، لتتراوح بين خمس وسبع سنوات، فيما تصر الثانية على عدم تجاوز عدد سنوات الملء الـثلاث سنوات،

فوفق ما أعلن رسمياً قبل عام تقريباً، لا سيما في جولة المفاوضات التساعية (وزراء الخارجية والري ومديري أجهزة الاستخبارات للدول الثلاث)، التي جمعت الأطراف الثلاثة في الخُرطوم، في أبريل  2018، تبادلت الأطراف الثلاثة الاتهامات بشأن "فشل الجولة، وتعثر المفاوضات"، إذ حمَّل كل من الخرطوم وأديس أبابا، القاهرة مسؤولية فشل جولة مفاوضات الخُرطوم، حول سد النهضة، متهمين إياها بالإصرار على طرح اتفاقية عام 1959 في المفاوضات، والموقَّعة بين مصر والسودان، التي تمنح بموجبها القاهرة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً من مياه نهر النيل، بينما تحصل الخُرطوم على 18.5 مليار متر مكعب، إذ اعتبرها الجانب الإثيوبي "أنها اتفاقية لا تعنيها، وأن إعادة طرحها يعتبر خطاً أحمر، ولا يمكن أن تتفاوض أديس أبابا حولها، فلا يمكن أن نتحدث عن اتفاقيات لم نكن طرفاً فيها"، لترد القاهرة برفض تحميلها الفشل، مشددة على أنها "شاركت في الاجتماع التساعي في الخُرطوم بروح إيجابية ورغبة جادة في التوصل إلى اتفاق ينفذ التوجيهات الصادرة عن قيادات الدول الثلاث بضرورة التوصل إلى حلول تضمن كسر الجمود الحالي في المسار الفني الخاص بسد النهضة".

وتكرر الأمر ذاته بعد أشهر، وتحديداً في نوفمبر  2018، لتتعقد الأمور مجدداً قبل لقاء على مستوى القمة جمع عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوداني، المطاح به، عمر البشير، ورئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، في العاصمة أديس أبابا، على هامش اجتماعات القمة الإفريقية في دورتها، وحينها أكدت البيانات الرسمية الصادرة عن الدول الثلاث، عزمها تكثيف التعاون وعدم إلحاق الضرر بأي من الدول الأخرى، جراء السد، ودفع المسار التفاوضي إلى سرعة إنجازه.

 

ووفق مصدر دبلوماسي مصري رفيع المستوى، ومطّلع على مسار التفاوض، فإن مثل هذه القمم على مستوى قادة الدول، تدفع المسار التفاوضي بين الحين والآخر، قبل أن يغرق المفاوضون في التفاصيل والتجاذبات الفنيَّة، ليعود الأمر إلى سابقه مرة أخرى.

 

المسار الفني المتعثر

 

وباستقراء مسار التفاوض الفني، فإن الخلاف بين مصر وإثيوبيا، يكمن بالأساس، في إصرار القاهرة على ملء السد بحد أدنى سبع سنوات، وقد تصل إلى 15 عاماً، فضلاً عن عدم الإضرار بأي نقطة مياه من حصتها التاريخية في المياه المتدفقة إليها، فيما تصر أديس أبابا على ملء السد في ثلاث سنوات. وهو ما تخشاه القاهرة بأن يضر بحصتها من المياه.

 

في المقابل، يتمسَّك الإثيوبيون ببناء السد، رغم مروره بتعثرات إنشائية في الآونة الأخيرة، حالت دون الانتهاء منه، كما كان معلناً لحظة تدشينه في أبريل  2011، وهو العام 2019، ووفق التقديرات الجديدة فإنه من المقرر أن يتم الانتهاء منه في العام 2022، وذلك بعد تغير الإدارة الإثيوبية للسد، ووجود مشكلات تقنية وفنية في بنائه من الشركات المعنية به.

 

جذور تاريخية لأزمة المياة بين اثيوبيا ومصر

 

لم تكن الأزمة المتولدة بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن مياه النيل، وليدة تدشين الأخيرة بناء السد في عام 2011، بل تعود جذور الأزمة إلى نحو أربعة عقود، ففي الـ27 من نوفمبر  1979، ظهرت أولى بوادر للتوتر بين مصر وإثيوبيا عندما أعلن الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، تحويل جزء من مياه النيل لري 35 ألف فدان بشبه جزيرة سيناء، وهو ما دفع الرئيس الإثيوبي منغستو، آنذاك، إلى التهديد بتحويل مجرى النهر.

 

وتبع ذلك التاريخ إبرام معاهدات في عام 1986، لتسوية المنازعات بين مصر وإثيوبيا، على رأسها المياه، إضافة إلى عشرات من اتفاقيات التعاون في مجالات الثقافة والفنون والتعليم والصحة والسياحة بين البلدين. وفي الأول من يوليو  1993، وقَّع الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، ورئيس الوزراء الإثيوبي آنذاك، ميليس زيناوي، وثيقة تفاهم حول عدة مبادئ، أهمها عدم قيام أي من الدولتين بأي نشاط يتعلق بمياه النيل من شأنه إلحاق الضرر بمصالح الدولة الأخرى. وذلك قبل دخول العلاقات بين البلدين مرحلة توتر شديد إثر محاولة اغتيال مبارك في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا،  في 26 يونيو  1995، وتبعها توقف أعمال المجلس المصري الإثيوبي مدة 17 عاماً.

وفي العام 2001، أعلنت إثيوبيا نيتها إنشاء عدد من المشروعات على أنهارها الدوليَّة، وذلك في استراتيجية وطنية للمياه كشفتها حكومتها حينذاك. وبدأت الأزمة تأخذ مساراً مغايراً بعد توقيع ست دول لحوض النيل، (هي إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي)، في 11 مايو 2010، ما عرف حينها بـ"اتفاقية عنتيبي"، وقوبلت برفض شديد من مصر والسودان. وبموجب الاتفاقية، تنتهي الحصص التاريخية للأخيرتين وفقاً لاتفاقيتي 1929 و1959.

 

ومنذ الإعلان الإثيوبي في الثاني من أبريل 2011، بعد نحو شهرين من سقوط حكومة مبارك في فبراير 2011، تدشين بناء سد النهضة، تصاعدت التخوفات المصريَّة بشأن حصتها المائية، وذلك بالتوازي مع مسار تفاوضي شهد كثيراً من الجولات في الأعوام اللاحقة، تراوحت بين الفشل والتعثر، قبل أن تصل إلى محطة مركزية وقَّع فيها قادة كل من إثيوبيا والسودان ومصر "اتفاقاً إطارياً للتعاون"، في مارس 2015، حيث شهدت السنوات اللاحقة عدة اجتماعات ولقاءات على مستويات مختلفة بين الدول الثلاث.

 

 

 

نتائج تعثر المفاوضات

 

على مدار السنوات الأخيرة، ومع تراوح المسار التفاوضي بين الفشل حيناً، والمماطلة أحياناً أخرى، ليمتد إلى أربع سنوات إلى الآن منذ التوقيع على اتفاق المبادي، في مارس  2015، ومع إطالة أمد التفاوض، يحذِّر مراقبون من "النتائج الوخيمة" على مصر حال إصرار إثيوبيا على المضي قدماً في تحقيق مصالحها منفردةً، فيما يقلل آخرون من أهمية تلك النتائج، معتبرين أنه إلى الآن لم يكتمل بناء السد، نظراً إلى المشكلات الفنية، التي يواجهها في الداخل الإثيوبي، ومن ثم فوجود ثلاث سنوات، حتى الانتهاء من بنائه وفق آخر إعلان إثيوبي، الذي يوافق 2022، يسمح للقاهرة بمزيد من الوقت، لمراجعة خياراتها، والضغط لتحقيق مصالحها.

 

وفي السياق ذاته، حذَّر تقرير لمركز أبحاث "مجموعة الأزمات الدولية"، في أواخر مارس الماضي، من "عواقب إنسانية"، إذا لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق لتقاسم الموارد بين مصر وإثيوبيا، التي تبني أكبر سدّ في إفريقيا، الذي تبلغ كلفته أربعة مليارات دولار.

 

وذكر التقرير غير الحكومي، للمركز، الذي مقره بروكسل، أنّ "مخاطر الفشل في العمل معاً صارخة. قد تُخطئ الأطراف بالتحوّل إلى نزاع تنتج عنه عواقب إنسانيّة وخيمة". حيث يُعدّ نهر النيل الذي يمرّ بين 10 دول، الأطول في العالم. وهو شريان طبيعي مهم لإمدادات المياه والكهرباء لهذه البلدان. لا سيما أن مصر تعتمد على النيل بنحو 90% من احتياجاتها من المياه العذبة.

 

وحسب التقرير، ترى أديس أبابا أنّ السدّ مشروعٌ تنمويٌّ وطنيٌّ مهم، في حين ترى القاهرة أنّ تعطيل تدفّق النهر سيُمثّل "تهديداً وجودياً"، ذلك أنّ تشغيل السدّ، الذي يُتوقّع أن يولّد نحو 6000 ميغاوات، قد يُهدّد ملايين المزارعين المصريين، وكذلك إمدادات الغذاء في البلاد. وتعطّل بناء المشروع مراراً، ولم يُحدّد تاريخ لإنجازه، بعد أن كان مفترضاً الانتهاء منه منتصف العام الماضي، وسط تقارير عن فساد، الأمر الذي دفع رئيس وزراء البلاد إلى اتخاذ سلسلة إجراءات.

 

وأوصى التقرير بـ"اتفاق أكثر شمولاً" بين دول حوض النيل، لتفادي نزاعات مستقبلية تأتي بـ"ثمن اقتصادي وبيئي باهظ". مضيفاً "يمكن أن تسعى البلدان إلى ملء خزاناتها في وقت واحد تحسباً للجفاف، الذي يؤجج الصراع على المياه غير الكافية".

 

كما تسببت أزمة المياه المترتبة على سد النهضة الإثيوبي في رفع أسعار الأرز بمصر، عقب إصدار الحكومة قرارا بتقليص المساحة المزروعة إلى 724 ألف فدان من الأرز، وهي مساحة تشير تقديرات متخصصين في القطاع إلى أنها أقل من نصف مستوى 2017 البالغ 1.8 مليون فدان.

ومنعت الحكومة 18 محافظة من أصل 27 محافظة من زراعة الأرز، الأمر الذي تسبب في خسائر كبيرة للمزارعين، وأدى إلى تراجع حاد في إنتاج المحصول.

وكانت مصر تنتج من الأرز 4.5 ملايين طن سنويا، تستهلك منها 3.5 ملايين، والباقي يتم تصديره، لكن الأزمة الأخيرة أدت إلى لجوء الحكومة إلى استيراد الأرز، بهدف سد العجز في المعروض وتلبية احتياجات السوق المحلي.

 

 

خيارات مصر بين العجز واللعب بالوقت الضائع

 

-الخيار العسكري المستبعد:

وترى العديد من الدوائر الدبلوماسية والعسكرية والأكاديمية،أن الخيار العسكري لحل الأزمة من جانب مصر "ولَّى، ولم يعد مطروحاً، وليس ممكناً في الوقت الراهن، نظراً إلى الأوضاع الإقليمية والدولية، فضلاً عن التزام الأطراف الثلاثة باتفاق إعلان المبادئ الموقَّع في الخُرطوم 2015".

وبدوره يقول، نادر نور الدين الخبير المائي المصري، إن خيارات مصر في سد النهضة تبقى قليلة، لا سيما في ظل التعنت الإثيوبي، مستشهداً بتصريحات سابقة للسيسي، قال فيها "أخشى الاستغلال السياسي في بناء السد"، على حد وصفه.

 

وحسب نور الدين، "لا أحد يعلم إلى الآن مستقبل المفاوضات، ولا سبب توقفها في الوقت الراهن، كما أن إثيوبيا تصر على غموض موقفها، وعدم الإفصاح عن مستقبل استكمال السد بمواصفاته الحالية، أو بتقليل سعته التخزينية"، موضحاً أنه "ينبغي على مصر أن لا تركن لتأجيل الانتهاء من بناء السد (تأخر مرتين، وفي الإعلان الإثيوبي الأخير حدد أنه يكون عام 2022)، وعليها سرعة البت في مستقبل أمنها المائي وتسلمها حصتها المائية من دون نقصان يؤثر في سير الحياة أو عمليات التنمية".

عن مواقف الأطراف الأخرى في دول حوض النيل (عدد دول الحوض 11 دولة)، ذكر نور الدين، "رغم تحسّن العلاقات المصرية إيجابياً مع غالبية الدول الإفريقية، خصوصاً دول حوض النيل في السنوات الأخيرة، فإن في حال تصاعد الأزمة يبقى آخر الآمال المصرية أن يلتزموا الحياد"، مستبعداً أن يقفوا بجانب الموقف الرسمي، لأنه، وحسب تعبيره، "كل منهم في اعتقاده أنه قد يتعرض لنفس الموقف مع مصر في حال نيته بناء سد".

التواصل مع أعداء اثيوبيا

 

وفي محاولة متأخرة، من القاهرة للرد على المماطلة الاثيوبية ، وجهت  الخارجية المصرية، مطلع شهر إبريل الماضي، دعوة لوفد من حكومة إقليم أرض الصومال "صوماليا لاند"، الذي أعلن انفصاله من جهة واحدة عن دولة الصومال، لزيارة القاهرة، وذلك لمحاصرة أديس أبابا عبر حدودها.

هذه السابقة لمصر، تتناقض مع موقفها المعلن من وحدة أراضي الصومال، كما تخالف الموقف العربي الرسمي، المتمثل في رفض جامعة الدول العربية الاعتراف باستقلال الإقليم المتمرد. كما أنّ تلك الخطوة تزامنت مع هجوم حاد من الحكومة الإريترية على كل من قطر وتركيا، متهمةً إياهما بالسعي إلى "عرقلة مسار السلام مع إثيوبيا، والقرن الأفريقي". ويأتي ذلك مع احتدام السباق على توسيع دوائر النفوذ بين عدد من القوى الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، إذ تقود السعودية، مدعومة من مصر والإمارات، ما يعرف بتحالف الدول المتشاطئة على البحر الأحمر، والذي تم تدشينه حديثاً، بهدف محاصرة النفوذ التركي والقطري في تلك المنطقة.

وتستهدف الخطوة المصرية ل توجيه إنذار لأديس أبابا، في ظلّ موقفها الذي عاد مجدداً للمراوغة في ملف سدّ النهضة، وعدم تجاوبها مع الملاحظات المصرية، مع استئناف حكومة آبي أحمد العمل في السد بقوة.

فيما رأت دوائر سياسية أن "القاهرة تسعى خلال الفترة المقبلة لتغيير سياستها التي كانت أكثر مواءمة وتوافقية مع إثيوبيا، إذ كانت تتّبع سبلاً دبلوماسية لا تهدف إلى الصدام مع أديس أبابا، إلا أنّ الأخيرة ما زالت متمسكة بموقفها الرافض لأي تعاطٍ مع المخاوف المصرية، وفرْض سياسة الأمر الواقع، وهو ما دفع مصر إلى التوجّه نحو صوماليا لاند ومحاصرة أديس أبابا عبر حدودها، لما تمثله أراضي الإقليم الصومالي من موقع استراتيجي مهم للغاية، سواء بالنسبة لمنطقة القرن الأفريقي أو للأزمة المصرية الإثيوبية".

كما أنّ تحرّك مصر الأخير، وإن كان محرّكه الأساسي هو الضغط على أديس أبابا، إلا أنه يحظى أيضاً بدعم من رباعي حصار قطر، وبالتحديد السعودية والإمارات، نظراً لما يمثله من ضغط ومحاصرة للنفوذ التركي في تلك المنطقة الحيوية، والتي تتجه إليها أنظار الرياض وأبوظبي للسيطرة عليها، وإقامة قواعد عسكرية ومناطق نفوذ اقتصادي فيها.

 

 

-البحث عن بدائل مائية محلية

 

ونتيجة للتطورات الخاصة بسد النهضة، أعلنت الحكومة المصرية أخيراً عن التوسع في إنشاء محطات تحلية مياه البحر، بهدف زيادة الموارد المائية التي تُسهم في تلبية الحاجات المتزايدة للمصريين، خصوصاً في المحافظات الساحلية التي تعاني فقراً مائياً، وذلك من خلال خطة عاجلة لزيادة عدد محطات التحلية، بالإضافة إلى زيادة إنتاج وقدرات بعض المحطات الموجودة حالياً وتتضمن الخطة التي وضعتها وزارة الإسكان المصرية زيادة الموارد المائية من محطات تحلية مياه البحر بحلول عام 2020 إلى 1.7 مليون متر مكعب في اليوم، بما نسبته 6.6%من إجمالي مياه الشرب. كما تتضمن شقاً عاجلاً بالانتهاء من إنشاء 19 محطة لتحلية مياه البحر، بمحافظات شمال وجنوب سيناء، ومرسى مطروح، وبورسعيد، والبحر الأحمر، بطاقة 626 ألف متر مكعب في اليوم. وسيتم تنفيذ 16 محطة أخرى بطاقة إجمالية 671 ألف متر مكعب في اليوم، في محافظات مرسى مطروح، والبحر الأحمر، وشمال وجنوب سيناء، وكفر الشيخ، بخلاف 58 محطة قائمة، بطاقة إجمالية تبلغ 440 ألف متر مكعب في اليوم، وهو ما يعني وصول محطات تحلية مياه البحر في مصر إلى 93 محطة بنهاية عام 2020.

وبحسب مراقبين، يعبر المسار البديل لتوفير المياة بمصر عن فشل عميق منيت به  إدارة عبد الفتاح السيسي منذ توقيع الاتفاق الاطاري للسد في 23 مارس  2015، حينما منح السيسي أعمال السد المختلف عليه والمعطل عنه التمويل دوليا، شرعية قانونية فتحت ابواب المنح الدولية والقروض على مصراعيه لإنجاز السد..

 

وبحسب خبراء تحدثوا لـ"اندبندنت عربية": أنه بمثابة "اعترافٌ مجانيٌّ من القاهرة بشرعية بناء السد، على المنبع الأكبر لمياه نهر النيل (النيل الأزرق) بالنسبة إلى مصر والسودان".

تسمين اثيوبيا

وكانت لجنة من المخابرات وبعض أجهزة الدولة المعنية بملف الاستثمارات الخارجية برئاسة اللواء عباس كامل، عقدت اجتماعات متتالية مع عدد من رجال الأعمال والمستثمرين في قطاعات صناعية وتجارية عدة، خلال الشهرين الأخيرين، لتوجيههم لإقامة مشاريع مختلفة في دولة إثيوبيا، مع تقديم ضمانات مالية لهم برعاية المخابرات مباشرة، وضمانات أمنية من الجانب الإثيوبي.

القطاعات التي تحاول مصر تشجيع مستثمريها لدخول السوق الإثيوبية من خلالها، هي الزراعة واستصلاح الأراضي، ومنتجات الألبان، وتصنيع الأخشاب، والبناء والتشييد، والحديد والصلب، والكهرباء والطاقة، وذلك كجزء من خطة طويلة الأجل تم الاتفاق عليها مبدئياً بين القاهرة وأديس أبابا لإنشاء منطقة صناعية مصرية حرة في إثيوبيا، تكون معفاة من بعض الضرائب والرسوم التي كانت تقف عائقاً أمام استثمار المصريين في أقاليم الاتحاد الإثيوبي. وبحسب مصادر سيادية، لم تنجح ضمانات الأجهزة في تشجيع عدد كبير من المستثمرين على خوض هذه التجربة، لكن تم إبلاغهم بشكل واضح بأن هذه التجربة تأتي بتكليف مباشر من السيسي، ولن يسمح بفشلها، وأن الهدف المباشر منها محاولة ملء الفراغ الذي نشأ في السوق الإثيوبية أخيراً نتيجة خروج عشرات الشركات من الصين ودول الخليج منها بعد أحداث الشغب التي شهدتها مناطق مختلفة من البلاد، فضلاً عن خروج شركات صغيرة أخرى كانت تساهم في أكبر مشروع قومي في البلاد حالياً وهو سد النهضة، ما أدى إلى تأخر معدلات الإنجاز المقررة للمشروع.

ونفت المصادر أن تكون الشركات المصرية "موجهة" للمشاركة بأي شكل في مشروع سد النهضة، لكن هذه التجربة تبدو تحضيرية لخطوات لاحقة في سياق الاستفادة المشتركة من مشروع السد، وهو المقترح الذي كان قد قدمه ديسالين لأول مرة منذ عامين كمحاولة للتقارب مع مصر وتقليل مخاوفها من السد.

 

وأشارت المصادر إلى أن السيسي يراهن على أن الإقدام على هذه الخطوة بفاعلية قد يؤدي بشكل إيجابي إلى استجابة إثيوبيا للمطالبات المصرية بشأن تمديد فترة الملء الأول للخزان بعد اكتمال أعمال السد، ريثما تعد القاهرة عدتها للتصدي للنقص الحاد المتوقع في مواردها المائية بتدبيرها من مشاريع استخراج المياه الجوفية التي تعمل على الاقتراض لإتمامها من السعودية والإمارات ودول أوروبية مختلفة.

ولعل تلاعب اثيوبيا الدائم بالجانب المصري، تكشف سذاجة صانعي السياسة المصرية، ولعل أبرز ما يثير السخرية في ذلك تصريحات السيسي مطلع 2018 بأنه "لم تكن هناك أزمة من الأساس حول سد النهضة"، مخالفاً بذلك كل التصريحات الرسمية المصرية التي أبدى فيها المسؤولون قلقهم وغضبهم من انسداد المسار التفاوضي..

 

-اللجوء لطرف دولي مطلب مصري مرفوض اثيوبيا

وازاء التعثر في المفاوضات، كررت مصر مطلبها باللجوء لطرف دولي للتحكيم بينها وبين اثيوبيا،  وهو مطلب رفضته اثيوبيا عدة مرات، حيث أن مصر تريد إشراك البنك الدولي في المفاوضات باعتباره طرفاً أصيلاً، إذ يشارك في تمويل السد، عبر مِنَح حصلت عليها أديس أبابا، وهو ما ترفضه اثيوبيا على طول الخط...

وتبقى المخاطر متصاعدة ضد مصر في ظل ادارة الفهلوة الحاكمة لمصر، التي تتأخر دائما في اتخاذ القرارات المصيرية، مراهنة على دعم اموال الامارات لتقوية موقفها في العمق الافريقي، الا ان تل الاموال ذهبت الى اثيوبيا لاستثمارات زراعية وصناعية وانشائية بنحو 4 مليارات دولار في 2018، منهم مليار دولار كاحتياطي نقدي  وضع كوديعة بالبنك المركزي الاثيوبي،ومع دخول سد النهضة مراحله الأخيرة  وبدء انتاج الكهرباء بالفعل في العام القادم 2020، لم يعد أمام ادارة السيسي الا الانتظار لتصريحات مطمئنة من قبل اثيوبيا يرد عليها السيسي بانه "ليس هناك مشكلة في سد النهضة"، بينما تقول الدراسات الدولية الواردة مثلا في صحيفة التليجراف البريطانية مؤخرا ، أن سد النهضة يتسبب بضياع 51% من الأراضي الزراعية المصرية.

 

وكشفت في تقرير لها بعنوان “وفاة النيل: مصر تخشى من قطع السد الإثيوبي إمدادات المياه”- عن أن مدى السرعة التي تملأ بها إثيوبيا خزانها، الذي يمكن أن يحوي 74 مليار متر مكعب من المياه، له دور في تحديد ما إذا كانت التعبئة السريعة تعني حجب المزيد من المياه، في حين أن القيام بذلك ببطء يعني تقليل الماء في اتجاه دول المصب.

وايضا تقرير نُشر الإثنين 10 ابريل الماضي بصحيفة “لوس أنجلوس تايمز” الأمريكية، أكد أن مصر مهددة بفقد نصف أراضيها الزراعية بسبب “سد النهضة”.

وقالت الصحيفة الأمريكية إنه منذ أن أعلنت إثيوبيا عن خطط، منذ عقدٍ تقريبًا، لبناء سد هيدروليكي ضخم على النيل الأزرق، انتظرت الحكومة المصرية في حالة ذهول من احتمال أن يتباطأ تدفق شريان حياتها من المياه العذبة بنسبة تصل إلى 25٪. ويتنبأ بعض الخبراء بفقد مصر لأكثر من نصف الأراضي الزراعية بسبب سد النهضة الإثيوبي.

 

وبحسب الصحيفة، تَراوَح الرد المصري بين التهديد والتفاوض، حيث سعى المسئولون المصريون إلى منع أو تقليل تأثير السد، لكن المشروع مضى قدمًا واكتمل ثلثا البناء، ونظرًا لأن مصر تواجه بالفعل ندرة كبيرة في المياه والغذاء، فإن سد النهضة الإثيوبي- الذي سيكون أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في إفريقيا- يُعتبر تهديدًا للأمن القومي، بالإضافة إلى وصمة عار على الهيمنة التاريخية لمصر على النهر العظيم....وهكذا دائما مصير الأمم والدولة التي تدار بالقمع العسكري...لا تجد سوى الكوارث الاقليمية والدولية تحيط بها، فيما اعلامها ونظامها السيسي ينشر الورود والاكاذيب حول الانجازات، فيما من يتخدث عن التحديات او الصعوبات يجري تصنيفه مهددا للأمن القومي أو ناشرا للأخبار الكاذبة..!!!

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة