العنف الطائفي في نزلة جلف الحدث ردود الفعل والدلالات
شهدت قرية نزلة جلف التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا حادثة عنف طائفي، الأربعاء 22 أكتوبر؛ على خلفية “البحث عن فتاة مسلمة ثم اكتشاف وجودها بمنزل إحدى الأسر المسيحية لعدة ساعات، واتهمت أسرة الفتاة شابًا مسيحيًا بخطفها”1، وقيل أن السبب عِلاقة عاطفية جمعت بين الشاب القبطي، الذي يبلغ من العمر 18 عامًا، والفتاة المسلمة وتبلغ 16 عامًا2، ما دفع عدد من مسلمي القرية إلى التجمهر ورشق منازل مسيحييها بالطوب، وحرق عدد من عشش الأسر المسيحية بالأراضي الزراعية، ما أسفر عن إتلاف بعض الممتلكات الخاصة. وقد انتشرت عدة مقاطع فيديو، على مواقع التواصل، تحرض على مهاجمة مسيحيين القرية وكنيستها، فضلا عن مقاطع فيديو أخرى، تستغيث بالأجهزة الأمنية وضرورة تدخلها لمنع تفاقم الاعتداءات3. تدخلت قوات الشرطة وتم احتواء الموقف، بعدها عقدت جَلسة عرفية، في 24 أكتوبر، بمنزل عمدة القرية، وبحضور عدد من القيادات الأمنية، والمحكمين، وكاهن كنيسة القرية، وأهالي قرية نزلة جلف. وقد قرر مجلس التحكيم العرفي، تهجير الشاب من القرية “على الفور” وإمهال أسرته خمس سنوات للمغادرة، مع تغريمها مليون جنيه4. ردود الفعل الرسمية على الحدث وتطوراته:جاءت ردود الفعل على الواقعة من القاهرة، حسبما جاء في الإعلام، كلها غاضبة ومنددة باللجوء إلى الجلسات العرفية5، بوصفها لجأت إلى عقوبة جماعية على أسرة الشاب المسيحي، في حين من المفترض أن تكون العقوبة فردية، كذلك فقد استخدمت التهجير كعقوبة وهو ما يحظره الدستور، وفي النهاية بدت مخرجات الجَلسة مجحفة بحق الأسرة المسيحية؛ إذ لا يستدعي ما حدث كل هذا التنكيل، وفي النهاية يعد اللجوء للجلسات العرفية خروج على مبدأ اللجوء للقضاء العادي بوصفه معبر عن سلطة الدولة وسيادة القانون. فقد أدان «الديمقراطي الاجتماعي»6، و«العيش والحرية»7، وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي8، العنف الطائفي الذي وقع وما أسفر عنه من جلَسة عرفية وأحكام مجحفة بحق الشاب المسيحي وأسرته، كما أدانت البرلمانية مها عبد الناصر ما وقع، ودعت إلى “تحقيق عاجل وشفاف في تفاصيل ما جرى، وإعلان نتائجه للرأي العام”، ورفض اللجوء إلى الجلسات العرفية كآلية لتسوية الخلاف9. وقد أصدرت وزارة الداخلية، بيانًا، تعليقًا على الحادثة، قالت فيه “أن المشاجرة نشبت لخلاف بين عائلتين نتيجة إرتباط فتاة بأحد أبناء العائلة الأخرى”، وأنه “تم إتخاذ الإجراءات القانونية فى حينه، وبالعرض على النيابة العامة قررت حبس الشاب على ذمة القضية”، وقد أعقب ذلك “تصالح العائلتين خلال جلسة صلح عرفية وفقاً للعادات والتقاليد السائدة بالقرية”، وأن ذلك لا يتعارض مع الإجراءات القانونية المتخذة10. وعن تفاعل الرأي العام مع الحادثة، قال البيان، أن البعض حاول إضفاء أبعاد طائفية حيال الواقعة لاختلاف الديانة، وحذر مما أسماه “محاولات البعض استغلال الواقعة للنيل من حالة الترابط الأخوى بين عنصرى الأمة، وسيتم إتخاذ الإجراءات القانونية بشكل حاسم حيالهم”. الطائفية في الصعيد… محاولة للفهم: المقاربة الامبريالية المتعالية: كانت أكثر التعليقات انتشارًا، اعتبار المسألة الطائفية في الصعيد، هي نتاج الفكر المتطرف وانتشاره بين أهالي الصعيد، واعتبار لجوء الدولة للأحكام العرفية، كدليل على وجود نفس الأفكار المتطرفة، أو على الأقل المحافظة، لدى أجهزة الدولة وعند المسؤولين. وأن هناك “مزاج عام، عقيدة راسخة يتم إعادة إنتاجها من خلال الثقافة الشعبية، والتعليم، والهيكل البيروقراطي في الدولة والتركيبة المجتمعية وحتى سلوك السلطة تجاه المجتمع ككل والمسيحيين بالأخص، هذه العقيدة تقوم على مبدأ سيادة المسلمين السنة على الآخرين. ومع السيادة لا تستقيم المساواة11. هذه المقاربة الثقافوية، التي ترى أن ثقافة المجتمع رجعية بالضرورة، عنيفة ومتطرفة بالتبعية، عادة ما تتجاهل الأبعاد البنيوية، وعادة ما تتبنى حلول لا تقل عنفًا وتطرفًا، وكان من أكثر الرؤى تطرفا في هذا السياق، ما جاء في أحد التعليقات12 على ما حدث، حيث اعتبر أن (1) الفكر المتطرف يسري في الدولة كما يسري في المجتمع؛ إذ ليست الدولة بنية متعالية عن المجتمع، إنما هي جزء أصيل من المجتمع نفسه بكل أمراضه الموروثة”. (2) انتشار الانتماء العائلي في الدلتا، والقبائلي في الصعيد، والطبقي على المستوى القومي وهو ما يؤثر على التوجهات والسياسات. (3) الإسلام السياسي مشروع ذات محتوى اجتماعي وثقافي طبقي ورجعي ومتآمر مع الاستعمار، وبيمثل خطر داهم على بينة الدولة والمجتمع. هذا المشهد -بحسب هذه الرؤية- هو الذي أنتج مشهد قرية جلف وطريقة التعامل معها، ومن ثم فإن معالجة الحدث الطائفي في المنيا، يستلزم تدخل عميق وممتد، ويتمثل في؛ (أ) على المستوى الاقتصادي: تحويل الملكيات العقارية الزراعية إلى ملكيات عامة؛ تحمي الأرض من التبوير وتنهي حالة سُعار الاستثمار العقاري وتخلق مساحات قابلة لتطويرها وتحديثها زراعياً، ولنزع المرتكز الاقتصادي للقبائلية حامية الطائفية. (بـ) ديمغرافيًا: صهر البنية القبلية، وتجريم التعالي بالدين، واستبدال كل الانتماءات بالانتماء للوطنية المصرية الحديثة. مع إرساء نهائي للعلمانية في بنية الدولة والمجتمع. القراءة التأويلية للحدث: في محاولة لفهم منطقه الداخلي، قبل التسرع في الحكم عليه من الخارج بشكل متعالي. فإن الطائفية في صعيد مصر ليست بقايا جهل أو عادات ريفية كما يروّجون، بقدر ما هي جزء من بنية الدولة البوليسية التي تُغذي الكراَهية لتقسيم المجتمع، وتمنع أي تضامن بين فقرائه ومضطهديه13، وبقدر ما هي نتاج مجتمعات مسكونة بغضب مكتوم لغياب الدولة، إلا في صورتها القمعية، إذ تفتقد كل البنية الخدمية من مدارس ومستشفيات، وبقدر ما هي نتاج ثقافة ذكورية جعلت من جسد المرأة ساحة للصراع ومحاولات السيطرة والإخضاع14. كما أنها نتاج أوضاع اقتصادية وديمغرافية ضاغطة؛ ريف المنيا “صاحب أعلى معدل نمو سكاني في مصر كلها بنسبة تتجاوز 2.5% سنوياً، ويرتفع نسبة الشباب إلى أكثر من 40% من السكان”، مع ارتفاع نسبة الفقر إلى 54% بحسب بيان وزارة التخطيط المصرية، وقد تصل إلى أكثر من 70%، وهو ما يترافق مع انخفاض معدلات التعليم الجامعي في ريف المنيا، حيث يعد ريف المنيا هو الأقل في مصر كلها من حيث نسبة المتعلمين جامعياً بحسب البيانات المتوفرة. كل ما سبق يجعل ريف المنيا تربة خصبة للعنف الاجتماعي، ومع تركز الأقباط بنسبة تزيد عن 15% في ريف المنيا، وهي نسبة مرتفعة للغاية، ومن ثم يسهل أن ينزلق العنف الاجتماعي إلى صراع طائفي15. وفقًا لهذه القراءة، فإن المحاكم العرفية جزء من بنية المجتمع في الصعيد، تستند في أحكامها للعادات والتقاليد، التي تحظى برضا وقبول المجتمع هناك، من ثم فإن ما يصدر عنها يقابل بالإذعان من الناس هناك. خاصة أن القانون أقل حضورًا، ومؤسسات الدولة غائبة، من ثم فإن اللجوء للقضاء والقبول بأحكامه لا يضمن التزام المجتمع به. فالأمر ليس اختيار حر بين مسارين، قضائي وعرفي، إنما بين مسار يضمن المجتمع تحقيق أحكامه، ومسار ليس هناك ضمانة لتحقيقه. وبصيغة أخرى، يمكن أن القول أن الجلسات العرفية جزء من تراث تقليدي وما قبل حداثي لا يزال حيًا يتنفس في الصعيد، فلا تزال بنية المجتمع تختزن أن تراث اقطاع مستمر، وعلاقات قهر مستدامة، وتراث “عبودية” لا يزال قائمًا16. لكن هذا التراث يتغذى على تباين طبقي صارخ،…